كنت بحكي سلفي الشلول

المية كانت نازلة على ضهره… وكل علامة فيهم… وراها سنين. مش أيام… ولا شهور. عضيت على شفايفي… وقلت: المشهد كان مرعب ومقبـ .ـض.. المية نازلة على ضهره بتمسح آثار السنين، بس متمسحش الوجع اللي محفور في جلده. “حسام” فضل ساكت، ودموع محبو. ـسة بدأت تظهر في طرف عينه، وكأنه كان مستني اللحظة دي بس خايف منها. ## الجزء الثاني: أسرار خلف الجدران قربت منه أكتر، صوابعي لمست طرف جرح غويط واصل لحد كتفه، جسمه اتنفض كأن كهربا لمسته، بس المرة دي مكنش توتر.. كان انكسار.

همست في ودنه وصوتي بيترعش: **”كريم هو اللي عمل فيك كده؟ عشان كده كان بيمنعني أدخل؟”** حسام فتح عينه ببطء، بصلي بصه عمري ما هنساها، بصه واحد غرقان وشايف القشة اللي هتنقذه بس خايف يشدها معاه لتحت. نطق بصوت مبحوح ومرعوب: **”كريم مبيمنعكيش عشان خايف عليا يا “هناء”.. كريم بيمنعك عشان خايف مني.. وخايف عليكي من الحقيقة.”** لسه هسأله يعني إيه، سمعت صوت مفتاح في الباب البراني. قلبي وقع في رجلي. ده ميعاد رجوع كريم، وهو مستحيل يلاقيني هنا والقميص مقلوع والمنظر ده قدامي.

حسام قالي بسرعة وبلهجة مرعبة: **”البسي قميصك واطلعي.. لو شافك هنا هيعرف إنك شوفتي العلامات.. وساعتها مش هتعرفي تخرجي من البيت ده تاني.. اجري!”** طلعت بسرعة وأنا بحاول أهدي نفسي، دخلت المطبخ ووقفت قدام البوتاجاز كأني بحضر العشا، وإيدي لسه بتترعش من ملمس الجروح. دخل كريم، وشه كان شاحب كالعادة، وعينه بتلف في البيت بتدور على حاجة ناقصة. قرب مني وباس راسي، بس عينه كانت باردة: **”أمي فين؟”** قلت له بصوت حاولت أخليه طبيعي: **”عند خالتك، لسه مرجعتش.”**

بص ناحية أوضة حسام وسأل بحدة مفاجئة: **”دخلتي له؟”** اتجمت مكاني، بس رديت بسرعة: **”أنا.. كنت بحط له العشا بس.”** كريم ضيق عينه وقرب مني خطوة، لدرجة إني شميت ريحة مطر القاهرة في هدومه، وقال بنبرة هادية بس تخوف: **”هناء.. أنا قولتلك ميت مرة، حسام مبيحبش حد يشوفه وهو في حالته دي، وخصوصًا إنتي.. بلاش تفتحي أبواب مقفولة، عشان لو اتفتحت، مش هعرف أقفلها عليكي.”** سابني ودخل أوضته، وأنا فضلت واقفة مكاني.. الجروح اللي شوفتها مكنتش جروح “ضـ .ـرب” عادية، دي كانت “رموز” مرسومة بدقة، كأنها طقوس أو انتقام قديم.

بالليل، والبيت كله نايم، سمعت صوت تزييق باب أوضة حسام. اتسحبت براحة وبصيت من خرم الباب. الصدمة كانت أكبر من الجروح. شوفت كريم قاعد في الأرض قدام سرير أخوه المشلول، وماسك “موس” صغير، وبيمشي بيه على نفس الجروح القديمة بخفة، وحسام ساكت تماماً، لا بيصرخ ولا بيتوجع، كأنه جسد بلا روح. وكريم بيهمس له بصوت واطي ومرعب: **”لسه يا حسام.. لسه مخلصناش القديم.. طول ما هي في البيت، إنت هتدفع تمن اللي عملته زمان.. قطعة قطعة.”**

في اللحظة دي، حسام رفع عينه وشافني من فتحة الباب.. وعمل حركة بصباعه على شفايفه بمعنى “اسكتي”.. وبصلي بصه خلتني أفهم إن اللي جاي مش مجرد سر.. ده كابـ .ـوس أنا بقيت جزء منه. رجعت أوضتي وأنا بجري من غير صوت، جسمي كله كان بينتفض. المشهد مش عايز يفارق خيالي.. “كريم” الجوز الهادي، السند، بيقطع في ضهر أخوه المشلول بدم بارد! و”حسام” اللي كنت فاكراه ضحية، بصته ليا كانت بتقول إن ورا السكوت ده كوارث.

نمت -أو حاولت أنام- ولما صحيت الصبح، لقيت كريم قاعد بيفطر كأن مفيش حاجة حصلت. بص لي وابتسم ببرود وقال: **”مالك يا هناء؟ وشك أصفر كأنك شوفتي عفريت بالليل.”** بلعت ريقي وقلت بصوت مهزوز: **”لا.. تلاقيه بس برد الشتا.”** قام وقف، قرب مني ومسك إيدي، وضغط عليها ضغطة خلتني أتوجع، وهمس: **”البرد بيدخل من الأبواب المفتوحة يا حبيبتي.. اقفلي عليكي بابك كويس وما تشغليش بالك باللي بيحصل بره أوضتك.”** خرج كريم، وحماتي لسه مرجعتش. البيت بقى فاضي.. ومرعب.

رجلي سحلتني لأوضة حسام. دخلت وأنا قلبي بيدق في وداني. لقيته قاعد، عينه في السقف، وهدومه مترتبة كأن مفيش حاجة حصلت بالليل. أول ما شافني، قال بصوت خشن: **”ممشيتيش ليه؟ كريم مش هيسيبك يا هناء.. هو فاكر إنك بقيتي “شاهدة” على الحساب اللي بيني وبينه.”** قعدت قدامه على الأرض وقلت له بإصرار: **”حساب إيه؟ والجروح دي ليه؟ وليه مكنتش بتصرخ وهو بيقطع في جسمك؟”** ضحك حسام ضحكة مكتومة، ضحكة وجع، وقال:

**”لأني م بحسش بجسمي يا هناء.. أنا مشلول، نسيتي؟ هو بيستغل عجزي عشان يبرد نـ .ـاره، بس الوجع اللي في قلبي أكبر بكتير.. كريم مش بيعذبني عشان هو شرير.. هو بيعذبني عشان أنا اللي بدأت.”** سكت شوية وبص لبعيد وكمل: **”من ٥ سنين، قبل ما تتجوزيه.. كان فيه بنت تانية.. “نور”.. كانت خطيبة كريم وروحه فيه. وفي ليلة، شيطاني وزني.. حصلت حـ .ـادثة بالعربية وأنا سايق وهي معايا.. أنا عشت واتشليت، وهي.. هي راحت تحت التراب بسببي.”**

اتصدمت.. حسيت إن الأرض بتلف بيا. حسام كمل ونبرة صوته اتغيرت: **”كريم مسمحنيش.. هو حبسني هنا عشان يفضل ينتقم مني كل يوم.. الجروح اللي شوفتيها دي مش مجرد جروح، دي “تاريخ” كل يوم عدى من غير نور.. بس فيه حاجة إنتي لسه مش عارفاها.”** سألته برعب: **”إيه هي؟”** بص لي بعيون مرعبة وقال: **”نور ممتتش في الحـ .ـادثة يا هناء.. نور كانت لسه عايشة لما وصلنا المستشفى.. بس كريم هو اللي..”** وقبل ما يكمل الجملة، سمعنا صوت “رزعة” باب الشقة، وصوت كريم وهو بينادي بغضب هز حيطان البيت:

**”هنااااااااااااااء!”**

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0