طلـ ـقها وهي عندها ٥٨ حكايات رومانى مكرم

الجد كان بيقول: **”يا لورانس يا بنتي، لو وصلتي للفيديو ده، ابحثي عن ‘البئر’ اللي في وسط محل هنية.. الكنز الحقيقي مش ورق، الكنز الحقيقي هو (الأمانة السيوفية) اللي تركتها الملكية المصرية تحت عهدة عيلتنا.”** لولا افتكرت البئر اللي شافت جنبه الصندوق.. البئر اللي هي فكرت إنه مجرد بئر مية قديم. ### العودة للمحل: الفصل قبل الأخير رجعت لولا للمحل في وسط البلد، المنطقة كانت مقلوبة، واليافطة المصدية “أكل هنية” كانت لسه متعلقة. دخلت المطبخ لوحدها، وقفت قدام البئر، وبصت لجوه.

عم بخيت دخل وراها وقال لها: “يا ست لولا، المنطقة كلها بقت ملكك، والشركات بدأت تمضي عقود الإيجار الجديدة.. ليه لسه واقفة هنا؟” لولا بصت له وقالت: **”عشان الحكاية بدأت من هنا، ولازم تنتهي هنا يا بخيت. انزل يا بخيت في قاع البير.. وشوف إيه اللي مستخبي ورا الطوب المرصوص جهة الشمال.”** بخيت نزل، وبعد عشر دقايق طلع وهو شايل **”شنطة جلد دبلوماسية”** متغلفة بمشمع ضد المية. فتحت لولا الشنطة.. ووقعت منها ورقة واحدة خلت قلبها يقف.

الورقة كانت عبارة عن **”صك ملكية”** لأسهم في “قناة السويس” وشركات عالمية، كانت عيلة السيوفي شايلاها للأيام السوداء.. قيمة الأسهم دي دلوقت تقدر بـ **مليارات الدولارات**. لكن وسط الورق، لقت صورة صغيرة لـ “عزمي” وهو شاب، ومكتوب وراها بخط إيد أمها سعاد: **(السر اللي عزمي ميعرفوش.. إنه هو كمان مش ابن أبو الدهب.. عزمي يبقى أخوكي في الرضاعة يا لولا، وعشان كده الجوازة دي كانت لعـ ـنة من أول يوم).**

لولا سابت الورق من إيدها وهي مذهولة. عزمي، الراجل اللي عاشت معاه 30 سنة وخلفت منه نورهان، طلع أخوها في الرضاعة؟ يعني حياتها كلها كانت “حـ ـرام”؟ ونورهان بنتها وضعها إيه؟ لولا بصت للسما وهي حاسة إن الدنيا بتدور بيها، وقالت جملة واحدة خلت بخيت يرتعش: **”يااااه يا عزمي.. طلعت اللعبة أكبر مننا كلنا. اجهز يا بخيت.. بكره هروح السجــ . ــن أقابل عزمي للمرة الأخيرة.. عشان أقوله الحقيقة اللي هتق.تله وهو عايش.”** **إيه اللي هيحصل في المواجهة الأخيرة؟ وإزاي لولا هتحمي “نورهان” من الحقيقة المرة دي؟ وهل “الكنز” هيفرح لولا ولا هيكون هو القبـ . ـر الجديد لقلبها؟**

وقفت لولا أمام مرآة مكتبها الفخم في “فيلا المعادي”، عدلت “بروش” ذهبيًا على شكل سنبلة قمح، ووضعت الخاتم السلطاني في صباعها. اليوم، ستُغلق الحكاية التي فُتحت بـ “ورقة طلاق” قبل أشهر. ### المواجهة خلف القضبان ذهبت لولا إلى السجــ . ــن. خلف الزجاج، ظهر “عزمي”. لم يعد ذلك الرجل القوي المتغطرس؛ كان حطامًا، شعره شاب تمامًا، وعيناه غائرتان. * **عزمي (بصوت مبحوح):** “جيتي تشمتي يا لولا؟ جيتي تتفرجي على السبع وهو في القفص؟”

* **لولا (بهدوء مرعب):** “أنا جيت عشان أديك ‘الرحمة’ اللي إنت محرمتش نفسك منها يا عزمي. جيت أقولك إن كل مليم سرقته، وكل طوبة بنيتها بظلــ . ــم، راحت. أنا دلوقت أغنى ست في مصر، مش بفلوسك.. بفلوس أهلي اللي إنت كنت بتخد.مهم وإنت مش عارف.” انحنت لولا للأمام، وهمست بصوت لا يسمعه غيره:

“عارف يا عزمي.. أنا لقيت ورق ‘الرضاعة’. إنت مش ابن أبو الدهب، إنت ابن ‘الداية’ اللي كانت شغالة عند جدي.. يعني إنت أخويا في الرضاعة. عارف ده معناه إيه؟ معناه إن ربنا مكنش راضي عن الجوازة دي، وعشان كده نورهان اللي إنت كنت فاكرها بنتك.. طلعت هي كمان مش بنتك.” ### الصد.مة القا.تلة عزمي اتنفض من مكانه، وشه بقى أزرق: “بتقولي إيه؟ نورهان بنتي! أنا ماليش غيرها!”

لولا ابتسمت بمرارة: “نورهان بنت ‘سليمان’ أخوك.. سعاد لما عرفت إنك بتخونها وبترتب لق.تلها زمان، لجأت لسليمان، والسر ده فضل مدفون. إنت عشت تلاتين سنة بتبني مملكة لـ ‘بنت عدوك’، وبتحارب ‘أختك’ اللي هي أنا.” عزمي وقع على الأرض، صوت صراخه هز جدران السجــ . ــن. مكنش صراخ ألم، كان صراخ “ند.م” على عمر ضاع في باطل، وحقيقة كانت تحت رجليه وهو بيدور عليها في السحاب. ### “أكل هنية”.. المقر العالمي رجعت لولا لوسط البلد. أمرت بهد.م الواجهات القديمة، لكنها سابت المطبخ زي ما هو. المحل الصغير بقى مدخل لـ **”مؤسسة لورانس السيوفي للتنمية”**.

في يوم الافتتاح، كانت “هنية” قاعدة على كرسي مذهب في صدر المكان، وجنبها “سعاد”. نورهان كانت بتمضي عقود أول مشروع سكني للفقراء في أسيوط، وسليمان كان واقف بعيد، مكسور الجناح، بيشتغل موظف حسابات تحت إيد لولا.. وده كان عقابه اللي اختارته له. ### المشهد الأخير في لحظة الغروب، لولا سابت الزحمة وطلعت لسطح المبنى. بصت للقاهرة من فوق، وطلعت “الأجندة القديمة” اللي بدأت بيها الرحلة. فتحت الصفحة الأخيرة، ومسحت كل الأرقام والديون والحسابات. كتبت جملة واحدة:

**”الرزق مش دايما فلوس.. ساعات الرزق بيبقى ‘غُلب’ بيفوقك عشان تلاقي نفسك.”** طلعت لولا من جيبها “آخر قرش” كانت شايلاه من يوم ما اتطلقت، ورمته من فوق السطح وهي بتضحك. القرش لمع في ضوء الشمس وهو بيقع وسط زحمة الناس.. زي ما لولا لمعت وسط زحمة الوجع. قفلت الأجندة، ورمت “مفتاح البئر” في الهوا، ونزلت عشان تخد.م الناس اللي استنوها تلاتين سنة عشان تبقى “الهانم” اللي بجد. **انتهت حكاية لولا.. وبدأت حكاية “عزبة لورانس”.**

وهكذا، أسدلت “لورانس” الستار على فصول شقائها، لا بد.موع الند.م، بل بابتسامة النصر التي تولد من رحم الانكسار. لم تكن رحلتها مجرد قصة امرأة استردت مالها، بل كانت رحلة استرداد “الروح” التي ظنت لسنوات أنها ضاعت تحت أنقاض التضحيــ .ــة العمياء. ### **الحكمة من حكاية لولا:** * **إن غدًا لناظره قريب:** لا يغرنّك الظالم بطول سلامته، فالحق وإن نام دهرًا، يستيقظ ليأكل الباطل في ساعة. عزمي بنى إمبراطوريته من “قش” الأكاذيب، فاحترقت بأول عود ثقاب من الحقيقة.

* **القوة ليست في المال، بل في “الأصل”:** اشترت لولا مطعمًا متهالكًا بآخر ما تملك، لأنها كانت تملك ما هو أغلى؛ الصبر، والذكاء، وعزة النفس. فالإنسان لا يُقاس بما في جيبه، بل بما يفعله عند.ما يفرغ جيبه. * **العطاء بلا حدود “جــ. . ـريمة” في حق الذات:** عاشت لولا ثلاثين عامًا “ست بيت مثالية” لزوج لم يقدّر، وضاع اسمها من كل الأوراق. الحكمة تقول: **”لا تضع كل طوب بنائك في أرض غيرك، فيأتي يوم تُطرد فيه من بيتٍ بنيته بيدك.”**

* **النهايات هي بدايات متنكرة:** يوم أن ألقى بها عزمي في الشارع وهي في الثامنة والخمسين، كان يظن أنه ينهيها، ولم يدرك أنه كان يفكُّ قيودها لتبدأ أعظم فصول حياتها. **فالعمر ليس عائقًا، بل هو مخزن الخبرة الذي يُحوّل التراب ذهبًا.** **الخلاصة:** الحياة لا تعطينا دائمًا ما نريد، لكنها تعطينا دائمًا ما نستحق إذا امتلكنا الشجاعة لنبحث عنه وسط الركام. لولا لم تكن مجرد “مطلــ ـقة”، بل كانت “درساً” يمشي على قد.مين، يخبرنا أن الحق لا يضيع ما دام وراءه قلبٌ لا يلين.

**تمت بحمد الله**

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0